لم ينشأ التصوف في مالابار من خلال الحياة الرهبانية في الأديرة، بل كانت أديرة متصوفة مالابار هي بيوتهم أنفسها.

وكان معلموهم الروحيون من السادة والصالحين الذين هاجروا، وكثير منهم قدموا بعد أداء فريضة الحج. وقد جابت هذه المؤلفات النثرية، التي لا يتجاوز حجمها خمسين أو مئة صفحة، أرجاء البلاد وعبر البحار. وغالبا ما يعزو الباحثون أصل دعاء «حزب يوم الجمعة»، الذي يتلى في المساجد يوم الجمعة، إلى الطريقة الشاذلية. ولا يوجد تفسير لانتشار هذه الأدعية، التي كان أتباع الطريقة الشاذلية يرددونها على مسامع شيوخهم في مالابار، إلا عبر المسارات والطرق الروحية التي جابت البلاد.

وتتوافر دائما مجلدات صغيرة من الأدعية والأذكار من هذا القبيل في المراكز الصوفية مثل مامبورام. وقد منح الصوفيون الذين قدموا في الأزمنة الماضية إجازات متعددة، وطبعت لاحقا العديد من الأدعية والصلوات القيّمة بكميات كبيرة بفضل نظام الطباعة الذي ظهر في القرن السادس عشر. وجمعت الأقوال التي منحت على هيئة إجازات في مجموعات من الأدعية والصلوات، تسميها الأمة اليوم «سابينا»، ثم طبعت لاحقا بكميات وافرة في مطابع مثل مطابع ثيرورانغادي. وأصبحت هذه الأدعية والصلوات من المقتنيات الشائعة في بيوت مالابار، وتستخدمها النساء في الغالب لأغراض التعبد.

… لأننا من خلال هذه الملكة نستطيع فهم جانب من تاريخ الهند الاستعماري سنة ١٩٠٧م، وهو العام الذي كتبت فيه.

أما بالنسبة لمن يقتنونها ويلازمونها في بيوتهم، فهي تبدو مجرد مصنعة صغيرة، لكنها في حقيقتها كنز لا يقدّر بثمن، وافد من المغرب ومصر. وكان لدى الأقدمين طرائق لالتماس العلاجات الروحية للعديد من الأمراض والحالات الطارئة التي لم تجد معها الأدوية الحديثة نفعا، ومن هذه الطرائق الملكة المانقوسية. وقد ألّفت الملكة المانقوسية عقب انتشار وباء «تاواون» في ولاية كيرالا. وعلى الرغم من اختفاء هذا الوباء تماما لاحقا من كيرالا، فإن الملكة التي ألّفت آنذاك لا تزال تتلى في بيوت مالابار.

وبعد انقضاء الحاجة المباشرة إليها منذ تأليفها، كان السبب الرئيس في ضياع كثير من نسخها اعتمادها على الكتب الصغيرة، التي ازداد بيعها بشكل ملحوظ في أماكن تجمع المسلمين. ثم بدأ مسلمو مالابار لاحقا بتلاوة هذه الملكة في حياتهم اليومية. وبمرور الزمن، هاجر العديد من الصوفيين الذين ولدوا ونشأوا في كيرالا إلى الخارج، ونالوا الطرق والإجازات وغيرها، ثم عادوا إلى كيرالا، ناشرين المعارف والمبادئ التي اكتسبوها هناك، ومذيعين البركات التي نالوها عبر تلك الإجازات. ويعدّ علماء المخدوم خير مثال على ذلك.

وبالمثل، قدم إلى كيرالا عدد كبير من الصوفيين من آل بيت النبي ﷺ من حضرموت في اليمن. وقد لعبت السابينات والمؤلفات الصغيرة دورا بالغ الأهمية في ازدهار الثقافة الصوفية في مالابار. وتشير إلى ذلك روايات تاريخية عديدة تعود جذورها إلى ما وراء البحار.