"لقد جاعوا لأيام دون ماء أو طعام. وعندما يحل الليل، يخشون إيذاءهم. يخشون إغماض أعينهم واغتصابهم. يطلبون المال، وإن لم يجدوه، يسحبون الفتيات ويمزقونهن إربا إربا، واحدا تلو الآخر. إنه مجرد كابوس."

هذه كلمات أميرة، الأم الهاربة من مدينة الفاشر في السودان، أرض نهر النيل في شمال شرق أفريقيا، على الشاطئ البعيد للبحر الأحمر بالقرب من المملكة العربية السعودية.

دولة غنية بشكل صادم بمناجم الذهب، لكنها من أكثر الدول معاناة من الموت جوعا. إن الفقراء في السودان، بما في ذلك النساء والأطفال، يتعرضون فعليا للإبادة الجماعية في قبضة السلطة. وربما على غرار مذبحة إسرائيل في فلسطين، يشهد السودان قصة مماثلة.

يعمل وسطاء، من بينهم الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، على دفع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع إلى تسوية. ومع ذلك، لم تحرز المحادثات تقدما مطردا بسبب العقبات السياسية والخلافات حول شكل المحادثات وطريقة المشاركة فيها.

لا يعرف عدد القتلى حاليا بسبب حظر دخول الصحفيين. وقد ظهرت حصيلة صادمة للوفيات واللاجئين من صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار الحراري. وقد دأب الباحثون على فحص صور الأقمار الصناعية وبيانات الاستشعار الحراري الملتقطة في إقليم دارفور بالسودان خلال الأسابيع القليلة الماضية، بحثا عن أي دلائل على أعمال عنف حديثة.

فحيث كان مستشفى قائما قبل بضعة أسابيع، لم يبق اليوم سوى رفات الجرحى. كما توسعت مقبرة على أطراف إحدى المدن فجأة. وأحرقت قرى بأكملها. ونتيجة لذلك، تتراوح تقديرات عدد القتلى جراء القتال والأسباب ذات الصلة بين 20 ألفا و150 ألفا.

يقول ناثانيال ريموند، المدير التنفيذي لمختبر الأبحاث الإنسانية: "لا يمكننا إعطاء رقم دقيق. العديد من الأشخاص الذين نحصيهم إما ماتوا أو نازحون".

لكن البيانات المحدودة المتاحة تظهر أن "عدد الأشخاص الذين يموتون من الجوع والمرض يفوق عدد الذين يموتون بالرصاص والقنابل"، كما تقول مها سليمان، طبيبة ومديرة التوعية في جمعية الأطباء السودانيين الأمريكيين غير الربحية.

هذه هي الأرقام الرسمية الصادرة عن مختبر الأبحاث الإنسانية بجامعة ييل.

امتلأت شوارع السودان بالاحتجاجات ضد دكتاتورية عمر البشير التي استمرت 30 عاما، والتي حكمت من عام 1989 إلى عام 2019. في غضون ذلك، بدأ المجتمع المسيحي في الجنوب وغير العرب في الغرب يعانون من التمييز. استخدم عمر مقاتلين من القبائل العربية بدلا من الجيش الرسمي لقمع المتظاهرين. لم يكونوا قوة منظمة أو مدربة. كانوا يعرفون باسم "الجنجويد"، أي "الشياطين على ظهور الخيل".

في عام 2015، منحوا صفة رسمية. تم تحويلهم إلى وحدة خاصة تسمى قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية. كما حولهم عمر، الذي ضمن ولاءهم، إلى قوة دعم شخصية له.

المتحدث الرئيسي باسم قوات الدعم السريع هو الفريق محمد حمدان دقلو، الملقب بـ "حميتي".

استمرت الاحتجاجات منذ 19 ديسمبر 2018 بسبب الارتفاع الحاد في تكلفة المعيشة وانهيار الاقتصاد. وفي يناير 2019 تحولت الاحتجاجات إلى مطالب باستقالة البشير. وفي 11 أبريل 2019، عزل الجيش السوداني عمر البشير وشكل المجلس العسكري الانتقالي.

لاحقا، وبضغط شعبي، تشكلت حكومة انتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، وتم تشكيل مجلس سيادي مناصفة بين الجيش والمدنيين، وتمت الدعوة لانتخابات في 2023.

لكن الخلافات حول تقاسم السلطة أدت إلى استياء متبادل. وفي 25 أكتوبر 2021، قام الجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان باعتقال حمدوك وحكومته. تم إعلان حالة الطوارئ وانقطع الإنترنت. وعلى الرغم من الاحتجاجات الواسعة، قمع الجيش الانقلاب بالقوة.

عاد حمدوك لاحقا بسبب الضغوط الدولية، لكنه استقال في يناير 2022 لغياب الدعم السياسي. أدى ذلك إلى انهيار التحول الديمقراطي وتصاعد الصراع بين الجيش وقوات الدعم السريع إلى حرب أهلية اندلعت في أبريل 2023 وامتدت في أنحاء السودان.

يشير الوضع الحالي إلى أن عدة محادثات سلام عقدت في السعودية والبحرين لكنها فشلت. وفي نوفمبر وافقت قوات الدعم السريع على هدنة إنسانية اقترحتها الولايات المتحدة والإمارات والسعودية ومصر، بينما أعلن الجيش أنه سيتوخى الحذر، متهما قوات الدعم السريع بعدم الالتزام بوقف إطلاق النار.

أعرب تيدروس أدهانوم، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، عن أسفه لانخفاض الاهتمام العالمي بالصراع في السودان مقارنة بأزمات أخرى. وقال إن هناك "دوافع عرقية".

ووصفت مجموعة الأزمات الدولية الجهود الدبلوماسية بأنها "معيبة"، بينما قالت منظمة العفو الدولية إن الاستجابة العالمية "غير كافية تماما".

كما أثر قرار إدارة ترامب بقطع المساعدات على العمليات الإنسانية. ويقول برنامج الغذاء العالمي إن أكثر من 24 مليون شخص يواجهون انعداما حادا في الأمن الغذائي. وأجبر أكثر من 1100 مطبخ إغاثة على الإغلاق بنسبة 80%، مما عزز الاعتقاد بأن الصراع "حرب العالم المنسية".

وقد رفع السودان دعوى قضائية أمام محكمة العدل الدولية يتهم فيها الإمارات بدعم قوات الدعم السريع. وردت الإمارات بإنكار كامل، ووصفت الدعوى بأنها "خدعة دعائية إجرامية".

منذ بدء الحرب في 2023، اتهم الطرفان بارتكاب فظائع. وعلى الرغم من استمرار جهود السلام، لم يتحقق السلام الدائم بعد بسبب الصراع على السلطة والتدخلات الخارجية. ومع ذلك، يبقى الأمل قائما بأن تنجح الجهود الدولية في تحقيق سلام دائم.