إن أولياء الله الذين ينهمكون حياتهم الجزيلة في طريق الله تعالى بعبادته وطاعته, لهم يد عميق ودورٌ عظيم في تنمية دعوة لإسلام. لمّا يفتح الملوك أفاق الأرض لتنفيذ الحكومة الإسلامية كان الأولياء يفتحون قلوب الناس بدعوتهم إلى سبيل الرشاد ويهديهم على صراط المستقيم. فلا أرض نبت فيها الإسلام إلاّ ورائها أيادي المتقين الأصفياء للّله تعالى.هكذا, كان معين الدين جشتي الأجميري سبباً لتنمية الإسلام في أوطان الهند الذي خلقه الروحية وكراماته الغريبة وطبيعته العزيزة سبّب لانتشار الإسلام واقتلاع شرق الموبقة وكفر الجاهليّة في مكبو عبادة الأصنام و التماثيل.


الطفولة الروحية


لمّا رأى معين الدين في طريقه إلى المسجد يوم العيد غلاماً زميلا مفلسا في ثوب خريب ينشج ويبكي فأسعده بإعطاء ثوبه الطيّبة لذلك الغلام. هذا الخطر اللطيف من إيثار غيرٍ عن نفسه يدلّ على خلقه الحسين منذ نعومة أظفاره.

ولد معين الدين حسن المشهور معين الدين الجشتي الأجميري في عام 530 رجب 14 ابناً ل"خواجه غياث الدين" ول"سيدة ماهنور بيوي" في منطقة سجارمنن سوستان. وكانا عالمين عابدين اتصلت سلسلتهما إلى نبي الثقلين (صلعم) من جهتي حسن وحسين (ر). وكان الأب معلّمه الأوّل. أخذ منه المعلومات الدينية وأرسله إلى مدرسة سجار. واطلع في المعلومات الدينية بقراءة في الفارسية والعربية. لكن أجوائه في الطفولة كانت بين انفجار العنف والفتنة بين الملوك العاندين و ترتار الظالمين. فضلا عنها لم يطل جناح الذل لأبويه حتى انتقلا إلى رحمة الله قبل أن يكد البلوغة. أصبح معين الدين يافعاً واحدا وعشقه للعلم ساقطاً وطريقه إلى الّله مصعباً لإجبار جوّ الحياة محيطا للعمل والكسب في ضيعة أبيه الذي بقي له. لكن لم يكن قضاء الّله أن يقطع تعلق معين الدين به تعالى.وذلك ظهر في قلبه عطش الروحية واجتناب الشهوات عند ابتلاع قطعة خبز جاز له شيخ درويش لحسن ضيافته إليه لمّا مرّ بحديقته. ضاء نور التقوى والورع وحب الّله وظن أن هذه الأموال والدنيا يشتغل عن صرفه إلى عبادة الّله وطاعته دائماً وأنها الأثقال والأوزان قد يسئل عنها يوم القيامة. فمالبث أن أهبط الأثقال بالبيع والصدقة بين الفقراء والملهوفين. هناك بدأ خواجه رحلته إلى ولاية الخالصة رويدا رويدا.


مسيرة من الشريعة إلى الحقيقة


فمن عادات الأولياء أنهم أولا كانوا  عاشقي العلم مكبا فيه حتى يسلكوا من طريقة الشريعة إلى ولاية الحقيقة.هكذا كان عيش خواجه معين الدين. حفظ القرآن من خراسان ودرس العلوم الدينية من حديث الشريف والتفسير الفصيح والفقه الوسيع في مذاهب الأربعة حتى أدرك مجده و درجته العليا تحت الشيخ حصام الدين البخاري . ونبتت فيه الظنون بأن هذه المعلومات الظاهرية التى تنتفع بها إلى الشهوات والمنازل الدنيوية فقط. فمن أين يدرك الباطنية التى تطلع بها إلى معرفة الحق؟.

قرّر في جوفه اتجاه إلى العراق المشهور بمركز العلماء والأولياء من محياهم ومماتهم. ومضت الأيام في المزارات والمقابر حافلةً واشترك في مجالسهم ومدارسهم محتبساً. في رحلته هذه وجد في منطقة هارون من ضواحي نيسافور التى التقى منها شيخه العزيز خواجه عثمان الهاروني. فقد برز في وجهه الطليق طريق المطلوب الصحيح الذي ينتظره ويفتشه السجري طول حياته. وبايع على يده الشريفة ولازمه مدةً طويلة حتى يعد المؤرخون عشرون سنة. صاحب معه في الرياضات والمراقبات والعبادات . وقد حكى في سيرة الأولياء وأخبار الأخيار ومولد شمس العلماء إيكي أبو بكر مسليار أن معين الدين الجشتي مضى حياته في متابعة الشيخ عثمان الهاروني لا يفارقه في حضرته ورحلته كالظل الزائلة . يحمل متاعه ويقوم بخدمته في كل اللحظات والحوائج حتى في منام شيخه بكل جهد وإخلاص بلا كَلٍّ ولاملل.وأيضا أنه كان الشيخ شيخ الطريقة الجشتية في ذلك الزمن .وقد أخطأ أناس بأن السجري هو المبتدأ بهذه الطريقة وسبب وهمهم لانتشار هذه الطريقة في شبه قارة الهند من قبل خواجه (ر). ولكن الأصل أن سلسلتها قد تتصل إلى أبو إسحاق الشامي الذي اتخذ هذه الطريقة من منطقة جشت من شيخه محمد العلوي الدينوري .

وقد حكى أيضا أتباعه بأنه أثناء خدمته للشيخه أذن له الشيخ أن يسفر إلى بلدان الأولياء والمشايخ . فقد اقتضى الأثر المشايخ من أوطان الإسلام مثل بغداد ودمشق وأوس والحرمين وسمرقند وبخارى ونحوها . والتقى منها أكابر الأولياء كالشيخ شهاب الدين سهروردي والشيخ غوث الأعظم عبد القادر الجيلاني والشيخ أوحد الدين الكرماني والشيخ خواجه أبي يوسف الهمداني وأبي سعيد التبريزي ومحمد الأصفهاني وغيرهم .أخذ المأخذ بينهم باستفاد منهم العلم والصحبة والأدعية والتبرك حيث أدرك وشك التصوّف الكاملة, فضلا عنها أنعمه شيخه عثمان الهاروني بخلافة طريقة الجشتية .وكان من نظام هذه الطريقة أن يزهد منازل الدنيوية وأن يبعد عن الملوك وإدامة الجود والتواضع بين الناس والعطف لهم.وقد يقول :من كان فيه ثلاث خصال يجعله اللّه من أوليائه : جود كالبحر عطف كالشمس وتواضع كالأرض. وقد واظب أوصاف الأصفياء من قليل الأكل والنوم, والصوم يوما والقيام ليلا وإكثار القراءة وإطناب الأوراد.


تعلقه بالأمة


كما نعلم أن دائرة معاملة خواجه في منطقة أجمير من ولاية راجستان الآن في الهند.وهناك آراء في إرساله شيخه عثمان الهاروني أم شيخنا غوث الأعظم محي الدين عبد القادر جيلاني أم محمد مصطفى(ص). وقد حكى عنه: لما زار معين الدين الجشتي (ر) مع مريده بختيار الكعكي في مدينة المنورة رأى في منامه ثمرة قلبه محمدا (ص) فأمر له: يا معين الدين...أنت معين الله في الهند فاذهب وادعوا أهلها إلى جوار الإسلام.

فإذا نظرنا حياته الاجتماعية في الهند منذ قدومه نرى في سبيل الدعوية واقعات كما تجرب موسى(ع) في مصر ومحمد (ص) في المدينة. فأنه كان بين قوم سيطروا في السحر والمكر والفلك وبين برتراج جوهان الذي طغى في الأرض صار نثل موسى(ع) وبين قوم يعيشون منقطعي الرجاء فصار مثل محمد(ص) في المدينة.

وقيل إن ملك جوهان قد أنذره أمه قبل وفاتها على أن يأتي فقير من جزيرة العرب إلى وطنه وأمره أن يمتثله. ولكن عناد جوهان جعله كفرعون فإنه طغى واستكبر.

لما أعلم دراسة تجفيف بحيرة أناسغر أفهم أن الفقير المنتظر قد أتى. ووقع بينهما ما قد بين موسى وفرعون في قوله تعالى حكاية عن موسى وفرعون. فقال جوهان "إن هذا لساحر عليم" وبث أهل الوطن على خواجه(ر) "يريد أن يخرجكم من أرضكم" وتهيأ كل ساحري البلاد "وجمع الساحرة لميقات يوم معلوم" ورموا على خواجه (ر) كل حبالهم وعصيتهم "فألقوا حبالهم وعصيتهم" وألهم كثعابين المسومة وقالوا "إنا لنحن الغالبون" لكن كراماته الفريدة أبطل سحرهم الفاسدة. فقد خط خواجه دورا محيطا به فلم تتجاوز الخط ثعابينهم إلا بطلت. فعجبوا ودهشوا بهذا الخطر الباهر "وألقى السحرة ساجدين" وأسلموا وقربوا تحت جناح الإيمان. هكذا كراماته العزلية، غلب عن كل ساحري جوهان وجيوشه وأظهر لهم بها نور اللّه الذي ستر عن الناس حتى أرشدهم في سواء السبيل وصاروا في ظل الإسلام. منهم الساعدي الذي كان كاهلا (شادي ديو) وعبد اللّه بياباني الذي كان أسحر الناس في البلاد(جيبال) وصاروا صاحبه ومريده.

وكما سبقنا أن الطريقة الجشية يحث على التواضع بين الناس وإغاثة الملهونين وإطعام الجائعين وقضاء حوائج التائبين والترحم لليتامى والمظلومين. ومعظم مجلس خواجه (ر) كان ممتلئ بالفقراء والمساكين. كانوا جامعين فيها لكلمة يكشف عنها ضررهم وبلائهم ولكلمة يسلوهم ويعزيهم في المصائب والتهلكة والعمل يسوي عوجاء حياتهم المتعبة. فإنه صار مثل محمد(ص) في المدينة والخان المشهور بأجمير مثل المسجد النبوي وقصعة أجمير كقصعة جابر (ر) في معركة خندق الذي وضع رسول اللّه (ص) يده في القصعة ولقب له "غريب نواز".

وقد نسى خواجه معين الدين الجشتي الأجميري في عبادة اللّه وطاعته أن ينكح حتى طال إلى خمسين عمرا. وقيل أعلمه محب قلبه(ص) في الرأية أن يكثر سلسلته ونسبه منه. وله زوحان أمة اللّه بنت خطاب، بنت ملك أسلمت, منها له بنت باسم حافظة جمال، وعصمة بيوي بنت وجيه الدين، عامل أجمير منها له أربعة أولاد خواجه ضياء الدين، و خواجه فخر الدين، و خواجه حصام الدين وكلهم ركبوا في سفينة الحقيقة, وكذا له كتب عديدة في مجال التصوف في العربية والفرنسية منها كنز الأسرار ورسالات الوجودية ، وحديث المعارف وديوان معين ورسائل التصوف. وقد أثنى الشيخ محمد الناغوري ديوانه في الفرنسية, وكذا له كثير من المريدين واستخلف بعده خلافة طريقته إلى خادمه ومريده المتبع الشيخ بختيار الكعكي (ر) وولي مريديه في مدن كثيرة مشهورة في الهند مثل دهلي, ولى فيها الكعكي وفي ملتان الشيخ وجيه الدين وفي ناغور الشيخ حميد الدين ناغوري وفي لاهور الشيخ بابا فريد الدين كنجشكر وفي بنغال الشيخ جلال الدين التبريزي.وقد رأى المؤرخون أن سبب انتشار هذه الطريقة في هند هي تفريق خواجه (ر) الولاية في مدن مشهورة.


وفاته


هناك آراء مختلفة في وفاة خواجه الأجميري (ر) والأشهر فيها يوم السادس من رجب عام 633 هجري أنه انتقل إلى رحمة اللّه. وقد حكي عنه: بعد العشاء قبل وفاته أغلق باب غرفه ولم يفتح بل يسمع منها الأوراد والأذكار حتى لما قرع في الصبح للصلاة لم يفتح ولما فتحت بعير في حبهته أنه عبد اللّه قد مات في رضاه.

لم يقض ستة وتسعين من عمره إلا في عبادة اللّه وطاعاته وأنه لم يرجى من خلق اللّه عطاء ولا هبة بل عطائه من اللّه وحياته للّه .