كان الأستاذ حريصا جدا على موافقة الزهد والتقشف والخلوة مع دراسة الكتب في حياته. وكان نمط حياة الأستاذ يركز على التسامي الروحاني، متخليا عن الشهوات المادية. واعتقد الأستاذ بشدة أن الغرض الأسمى من خلق الإنسان هو العيش في طاعة تامة للخالق. وعلم أيضا أن فرص تحقيق الأهداف في الحياة الآخرة لا يمكن أن تصبح قوية في الإنسان إلا من خلال الأعمال القائمة على هذا المبدأ. ابتعد الأستاذ عن البهرجة المادية وجاهد بجد في سبيل تحقيق الحضور الإلهي المقدس والقرب من الله. وكان حريصا جدا على تحويل الظروف العديمة المعنى في الدنيا إلى معان عميقة دون إضاعة ثانية واحدة. ومن الحقائق الواضحة لذوي العلم القليل مثلنا أن مكانة الولي أو الأولياء لا يمكن أن تُفهم فهما كاملا من قبل العاديين. ولمواجهة تغيرات هذا العالم الزائل، انغمس الأستاذ باستمرار في الذكر وتذكر الله والفكر والتأمل. وكان يمضي ببطء في الطرق غير المزدحمة. ومما ألهم أسلوب حياته كثيرا ما ورد في الكتاب الشهير "إحياء علوم الدين" للإمام الغزالي، الذي أعطى توجيها للنزعات التي تدفقت باهتمام نحو التأملات الروحانية. وفيه حديث:
وقال ابن عباس رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل ملكوت السماء من ملا بطنه". وقيل: يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: "من قل مطعمه وضحكه ورضي بما يستر به عورته".
كان تربناشي الأستاذ نجما ساطعا في مسار التصوف، مجسدا هذا الفكر الصوفي في حياته حرفيا. وكانت حياته بمثابة مرشد للذين يسلكون الدرب الروحاني.
التصوف: مسار المعرفة الباطنية
لا يمكن ترسيخ مركز المعرفة الروحانية ترسيخا كاملا إلا لمن يملكون الفضول لمعرفة أعماق التصوف. وعندما يتجلى قرب الخالق في المخلوقات، تصبح المسارات الروحانية التي تفضي إليه أكثر وضوحا وإشراقا. إدراكا لهذه الحقيقة، كرس الأستاذ حياته للتقوي الروحي بإعطاء الشيوخ والمرشدين الروحيين حقهم من التقدير، وبإيلاء الكتب والنصوص الدينية الاهتمام الأقصى. وقد كرس الأستاذ حياته بالكامل لحلاوة الدين مدة تناهز عقدين من الزمن. وقد أشار العديد من العلماء العظام إلى أن غياب النية عند الشروع في طلب العلم يؤدي إلى ترك الطلاب دراستهم في منتصف الطريق. لكن الأستاذ أدرك هذه الأمور منذ البداية، وعندما عمل بهذا الهدف، استمر نوره في الإشعاع باستمرار. واجتمعت في الأستاذ كل الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها المتعلم الذي كرس حياته لتلقي العلم. وقد رسم تربناشي الأستاذ سيرة حياة أدهشت أساتذته ومعاصريه.
البساطة والتضحية والإخلاص
لم يكن الأستاذ شديد الرغبة في المآكل والمشارب المادية، وكان في معظم الأوقات يتناول وجبة واحدة فقط. وفي كثير من الأيام كان يقضي وقته صائما. ومنذ صغره سلك طرق الصوفية ملتزما بالاستعداد والانضباط في جميع الأمور دون الاقتراب من المكروهات. وفي زمن كانت فيه الموارد والمرافق شحيحة، حرص الأستاذ على العيش بالرضا بما توفر له من حياة قصيرة دون استغلال المرافق المتاحة.
وقد أعطى الأستاذ الأولوية في حياته للكتب والمسالك الصوفية، واختار الحياة الآخرة الخالدة وذكراها. واستطاع التقدم في طريق الخير فقط، منكرا الشهوات والرغبات الجسدية بالكامل. وباختصار، قضى الأستاذ كل أوقاته الثمينة في هذا المسار الروحاني. لقد كانت حياته مثالا أعلى للتضحية والإخلاص.
شيخ الطريقة الصوفية
لكي تزداد حدة النجاحات في مجالات العمل، فمن الضروري أن يؤثر إشراف الشيخ المربي تأثيرا عميقا في عقل الفرد وجسده. وليس من الضروري أن يكون هذا الشيخ حيا جسديا؛ فمن الواضح أن المريدين الذين يعمل فيهم العلم والعمل كعنصرين متكاملين يمكنهم الحصول على التوجيه الروحي حتى من الشيوخ المتوفين. وقد اتبع الأستاذ تربناشي مسار هؤلاء الشيوخ العظام في حياته الروحية.
العلاقة مع الشيخ محيي الدين
لطالما أوضح الأستاذ من هو شيخه الحقيقي بقوله: "الشيخ محيي الدين المبجل هو شيخي". ورغم أن البعض ذكر أنه كان مريدا لبعض من عاشوا في زمنه، إلا أن هذا التصريح المباشر من الأستاذ نفسه يرفض هذه الادعاءات. فبدلا من البحث عن شيخ حي، اختار الغوث الأعظم الشيخ محيي الدين ليكون مرشده الروحي. وهذا يدل على مكانته الروحية العالية وعلاقته الثابتة به.
أبو العلم: الفلسفة الروحانية
كان الأستاذ تربناشي ينظر إلى مجالس العلم بكل تقدير وشغف. وتمتع بعلم واسع في العديد من المجالات الدينية. ويشهد العارفون بعمق علمه أنه كان يحفظ العديد من الكتب غيبا.
وكان نمط حياته شاهدا على سموه الروحي. فقول الناس إنه شوهد نائما بلا وسادة يدل على قلة اهتمامه بمتاع الدنيا. وخشية الوقوع في شباك متع الدنيا، تجنب الأستاذ الزواج. وعندما سئل عن سبب عدم زواجه، كان يعتاد على تلاوة بيت من كتاب "خلاصة الأذكياء" للإمام زين الدين المخدوم، مؤكدا بذلك موقفه الروحي والتزامه بالحياة البسيطة:
"واترك من الأزواج من ما ساعدت
في طاعة واختر عذوبا فاضلا"
كانت صداقة الأستاذ مقصورة على الكتب فقط. ومن أهم الكتب التي أعطاها اهتماما خاصا: "جمع الجوامع"، "الألفية"، "إرشاد اليافعي". ومنذ طفولته المبكرة، لمس قمم الروحانية، ومع تغذية حياته الروحية بتلك الكتب والممارسات المنظمة، بدأت الصفات الفاضلة التي يجب أن تتجلى في العبد الحقيقي تتوقد فيه يوما بعد يوم.





