يا للعجب… ماذا ترى عيناي؟

ضربة واحدة من مجرفة جابر على طرف غامض، فإذا بنور يشعّ فجأة، كأنّه ومضة سرّ دفين، ولا أحد هناك… لا شاهد، لا صوت، إلا رجع الدهشة في صدره.

كان جابر يمشي مطأطئ الرأس، كأنّ في عينيه عورا من شدّة ما أثقله كلام الناس. ينساب بينهم كغريب، يتجنّب نظراتهم، ويكتم في قلبه لذعات كالعقارب، تنهش سكونه كلّما تذكّر همساتهم القاسية.

لكن بين يديه شيء آخر…

تاريخ حيّ… ذكرى أبيه.

قبل أيام قليلة، كان يسير معه إلى دكّان الشاي، يملأ الطريق دفئا وهيبة. وفجأة، انطفأ ذلك النور. رحل الأب، وترك في قلب جابر فراغا موحشا، ككوخ هجرته الحياة.

ومن بين غبار الذكريات، تردّد صوت الأب في أعماقه:

"يا بني… احفر خلف بيتنا… هناك شيء لك."

لم يكن الأمر مجرّد وصية… بل كان نداء يشقّ الحزن.

وفي ساعة من عزلة، حمل جابر مجرفته، ومضى يحفر الأرض، كأنّه يحفر في صدر الزمن نفسه.

تتعالى من حوله أصوات الناس، متناقضة، مشوشة، كضجيج لا ينتهي… لكنه لم يلتفت. كان شيء ما يناديه من الأعماق.

وفجأة… اصطدمت مجرفته بشيء صلب.

توقّف الزمن.

انحنى، أزاح التراب… فإذا بقلادة قديمة، يغطيها الصدأ، لكنها تشعّ بشيء لا يرى… شيء يحسّ.

أمسكها بيد مرتجفة، وحدّق فيها طويلا.

"ماذا أفعل بهذه؟" تمتم في نفسه.

لكن قلبه سبقه إلى الجواب.

رفعها ببطء، وعلّقها على صدره…

وفي تلك اللحظة، لمعت الذكرى حيّة: وجه أبيه، صوته، دفؤه… كأنّه لم يغب قط.

اندفعت في صدره مشاعر لم يعرفها من قبل… فرح ممزوج بوجع، ونور يولد من الحزن.

رفع رأسه أخيرا…

لم يعد ذاك الفتى المنكسر.

يا للعجب…

كوخ صغير، وذكرى عظيمة، وقلادة صدئة…

لكنها أعادت الحياة إلى قلب كاد أن ينطفئ.