كانت الشمس ذي الحجة تميل نحو الغروب والقرية الصغيرة تستعد لاستقبال عيد الأضحى المبارك. الأطفال يركضون بين الأرزقة بملابسهم الجديدة. وروائح الفطيرة واللحم تعبق في الهواء, بينما كان سليم يجلس وحيدا أمام نافذته الخشبية القديمة.
لم يكن حزينا لأنه فقير, فقد اعتاد الفقر منذ طفولته لكن شيئا في قالبه كان يؤلمه كلما سمع الناس يتحدثون عن الحجّ. كان عمره سبعين عاما, ومع ذلك لم تطأ قدماه أرض مكة يوما. كل ليلة كان يرفع يديه نحو السماء ويتمتم: يا رب.... قبل أن أموت، لا تحرمني رؤية الكعبة" لكن الدعاء ظل معلقا بين السماء والأرض لسنوات طويلة.
في صباح يوم التروية، دخل حفيده الصغير سلمان إلى الغرفة مسرعا وهو يحمد هاتف قديما وقال بحماس: جدّي! انظر.. الحجاج الآن في المكة- اقترب سليم ببطء وأخذ الهاتف بيدين مرتجفتين. ظهرت الكعبة المشرفة وسط بحر سائل من البشر والجموع تردد "لبيك اللهم لبيك"
ارتعش قلبه، شعر فكأنه شيء عقيل يجذب روحه نحو هناك. سالت دمعة حارة على خدّه المجعد. ثم همس: "... ما أجمل أن يموت .. من هناك" سكت قليلا ثم أعاد الهاتف إلى حفيده. لكن سلمان لاحظ شيئا غريبا. كانت عيناه جدّه مليئتين بانكسار لم يره من قبل.
في تلك اليلة، وفي هدأة ليل أليل لم يستطيع سليم النوم وخرج إلى ساحة البيت، وكانت السماء مليئة بالنجوم. جلس فوق حصير قديم، وأخذ بتأمل القمر بصمت والتذكر زوجته راحلة التي تقول له دائما
"سيكتبها الله لك .... ولو بعد حين" لكن "بعد حين" بدا طويلا جدا.
فجأة، سمع طرقا خفيفا على الباب وفتح الباب، فإذا برجل غريب يقف أمامه بثياب بيضاء ووجه طلق قال الرجل: أأنت ...سليم بن يوسف...!
أجاب بدهشة :نعم
ابتسم الرجل وأخرج ظرفا صغيرا هذه هدية من شخص لا يريد ذكر اسمه فتح سليم الظرف ببطء، ثم تحمّد مكانه كانت بداخله تذكرة حج كاملة. ارتعشت شفتاه، وسقط الظرف من يده، ثم انفجر بالبكاء كالطفل صغير كان يبكي بجذوة سبعين عاما من الإنتظار.
وصل سليم إلى مكة وذلك اللحظة الاولى التي وقعت فيها عيناه على الكعبة شعر أن العالم كله اختفى، لم يسمع الأصوات. لم يشعر بالراحة, لم ير إلا البيت العتيق. اقترب بخطوات متعثرة ثم رفع يديه المرتجفتين وقال: "يا رب... لقد جئت اخيرا " وانهارت دموعه.
في يوم عرفة، جلسه فوق الجبل بين ملايين الحجاج، لكنه شعر أنه وحيد مع الله. وراح يدعو طويلا... لزوجته...وأولاده.... والفقراء ولكل قلب مكسور. ثم رفع بصره إلى السماء وقال: "يا رب... إن كنت قد دعوتني إلى بيتك فلا تردّني خائبا"
وفي تلك اللحظة، شعر بسكّينة لم يعرفها طوال حياته.
عاد العيد، وذبحت الأضاحي، وامتلأت اليوم بالتكبيرات والفرح لكن سليم لم يعد كما كان. صار وجهه مليئا بنور غريب
وفي صباح العيد، جمع أحفاده حوله وقال بصوت هادئ:"تعلمت في الحج أن أقصر طريق إلى الله...قلبه صادق"
ثم ابتسم وأغمض عينيه بهدوء إلى الأبد. سقط الصمت على الغرفة بينما كانت تكبيرات العيد ترتفع من بعيد "الله أكبر الله أكبر.... لا إله إلا الله..."
وكأن السماء نفسها كانت تودّعه.





