كان يا ما كان، تجلت الشمس بجمالها وتسللت أشعتها إلى داخل البيت من الشباك المتهالك.

استيقظت الشيخة التي انسدل شعرها الطويل المرهق على كتفها كخيط من الحكايات، وكان جسمها النحيل يرتجف من شدة البرد. خرجت تلك العجوز إلى السوق لتشتري الخضروات.

ولما رجعت إلى المنزل بالخضر، صدمتها سيارة فسقطت أرضا كطائر أصابته رصاصة، ولم يرتفع صوتها كثيرا بسبب الألم الشديد.

صدفة جاء رجل متوسط الطول، ملامحه طبيعية، عيناه تحملان الهدوء والبساطة، وشعره بني ومجعد قليلا. سألها: "ماذا وقع لك يا أمي؟"

فشعرت بشيء من عودة قوتها وانخفاض ألمها، لكنها غرقت في بحر من الذكريات المؤلمة التي لا تنتهي، فقد رافقها الألم والحزن في كل خطوة.

"يا شيخة، لماذا تهرق الدموع من عينيك؟" قال ذلك الرجل بلهجة رقيقة وصوت حزين.

ولكنها انتابها حزن شديد، وصارت تنطق بكلمات متقطعة تتخللها الأنفاس والآهات.

وقالت: "من آن لآخر، يتركوني أولادي الذين عظيتهم، والآن هم يقطنون في ديار بعيدة، تفصلهم المسافات، ولا يخطر على بالهم أن يسألوا عني...

كنت أحتضنهم وأداعبهم بحنان وبأسلوب طيب...

لكنهم اجتنبوني، وكنت بهم معجبة..."

تهدج صوتها وفاجأها البكاء، وصارت تنظر إلى الخضر المتناثرة، ولم تستطع أن تجمعها. غاصت في التفكير العميق بأطفالها، ثم أغلقت عينيها إغماضة طويلة، حتى لم يعد أحد يرى بؤبؤها، فقد غطاه جفنها تماما.