في يوم من الأيام، في بلدة هادئة، يستيقظ المرء تحت همس الصباح الباكر اللطيف، ويتسلل الهواء النقي عبر الباب الخشبي المفتوح قليلا لمقهى شاي صغير.
في الداخل، استيقظ رجل من نومه. لحيته تلمع كضوء القمر الفضي على صدره كالضباب. ارتجفت يداه خافتة وهو يمسك بغلاية الماء. صديقه، في عالم لم يعد يهرع إليه كما كان يفعل.
في كل صباح، قبل أن تنشر الشمس أشعتها في الأفق، كان يتجول إلى ضفة النهر ليجلب الماء العذب. اليوم سار على نفس النهج، مع أن الطريق بدا أكثر برودة قليلا، بل أبعد قليلا، وكأن الزمن نفسه لم يكن مباليا به.
عندما سار على الجسر الحجري، غارقا في تأملاته، مر راكب دراجة نارية مسرعا جدا، وكاد أن يصيبه. تلعثم الرجل المسن، وسقطت الغلاية من قبضته، وارتطمت بالرصيف محدثة ضجيجا واضحا، ضجيج شيء سليم انكسر الآن.
توقفت فتاة صغيرة عابرة للحظة. لم تكن ملامحها مميزة. كانت ترتدي سترة بقلنسوة عادية، وشعرها مربوط على شكل ذيل حصان، وملامحها كمن يحمل صراعاته الصامتة. لكن عينيها الهادئتين الرقيقتين كانتا تحملان شيئا ما.
أسرعت إلى الأمام.
"بابا، هل أنت بخير؟" سألت، بنبرة يمتزج فيها القلق واللين، كأنها تخشى أن تسبب كلماتها ألما.
حاول الرجل المسن الابتسام، وحاول الوقوف منتصبا، متظاهرا بأنه ما زال صلبا لا مجرد ذكريات هشة. لكن الثقل الذي بداخله كان أثقل من الغلاية.
"أطفالي..." همس، ونبرته ترتجف كأوراق الشجر. "قبل سنوات، كانوا يركضون فوق هذا الجسر ليمسكوا بيدي. الآن يركضون عبر البحار، ولا ينظرون إلى الوراء أبدا."
انحنت الفتاة بجانبه.
تجولت نظراته، كأنها تتبع ظلالا تعود إليه وحده. ضحك ملأ المتجر يوما، وأيد صغيرة كانت تمسك بكمه، وتعاهدت تحت وهج الاحتفال.
همس قائلا: "كنت أعد الشاي للجميع، لكن منزلي أصبح باردا."
هبت نسمة لطيفة بهدوء، كأنها تهدئه.
أغمض عينيه، لا في نوم عميق، بل في صمت ثقيل لإنسان يتذكر كثيرا، بعمق شديد، بألم شديد. ولحظة، توقف العالم معه، ينصت.





