تلك الأيام التى غمرتني الدهر وتقلباته وقرعتني قوارع الدهر وكيف أنس تلك العصور المريرة والدهور البشعة انتلبتني يوميا حدثا نهالا المشاعر ولا العواصف ولا الإحساس كنت ترابا جافا.........

نبست بنت شفتي أحمد للقرطاس سكوتا:

قد اصطادت الوحدة ومزقت أحشاء قلبه شيئا فشيئا حتى وهن عظمه واشتغل الرأس شيبا فسار مستمرا في وادي الشجون حاملا أعباء الكآبة وأسى.

قلمه المستقر بين الأصابع كانت ينتظر منها إشارة ليبدأ الكتاب الأحاديث تنساب من رأسه لتمتزج بمداد قلمه.

فجأة ،ارتعش مداده خوفا واستقر يده بالنداء : يا... قلمي.. ! قد مجّ في بحر النهار التى يجري القارب صفوفا كما جرى الصلاة صفوفا . ويرسم لسانه في البحر صورة كما رسم الفنّان في لوحته.

 يا منان ...... ! قد شحب وجهه ولهشت أنفاسه وسالت جبينته عرقا . واقتحم في بؤبؤ عينه سطور معجبة مدهشة وأطلع في قالبه جملات خارقة للعادات ...:

قضيت نصيب الأسد من حياتي بين الفراق والحنين وبين الدموع والاشتياق وبين الضياع والوحدة طردتني القذائق وشردتني القنابل وتحامتني الصواريخ لا العشائر تألفني ولا الرفيقات تأنسني......

قد أنزلت في نهر من أنهاربلدة القدس وتمتد إليها أيدي الجشع من كل نواحي الأفق وتشرئب إليها ئب أعناقهم من كل ضواحيها وتميل إليها النفوس تعجب من حسنها وبهجتها وهدأتها .....

حولنا النباتات السامقة وتدق على آذانهم أصوات الطيور الصادمة وتميل إليهم الأثمار اليانعة حتى عانقهم نسيم الرجاء المبعوث من أوراق الشجرة وتداعب به الأعصان وتجري الجداول في جانبها التى هي راقصة بين الصخور......

أحس أجمل دقائق حياتي وأذوق أبهى لحظات عيشتي حينما علّمني أبي بكلمة "بسم الله الرحمان الرحيم "

زحف في ذهن أحمد ذكر الله وهو يقول ضارعا ساجدا في أرضه : يا .... الله يا قهار أرأيتنا يا وهاب قلبنا يعيش بين الشيطان والبحر ووجوهنا وجوه مسفرة عابسة مكتئبة وأُشرب في فؤادنا الخوف الملحاء . أشباح مذعرة وأطياف الهول حوالينا..... فاضت من مقبسه قطرات الفضة والياقوت .

في ليلة ليلاء ذاهلة النجم بعيدة ما بين الطرفين وفي هدأة ليل أليل جرّع علقم الندم حتى ابيضت عيناه كما ابيضت عينا يعقوب من الكآبة وأسى.

وأخذ أحمد قلمه بيد متهدج مرتعش وقال بصوب رخيم لنفسه: يا.قلبي.. اخفض جناحك إلى أيدي ويا ذهني … دع أنفاسك تهبط إلى يدي...

وأنشأ القلم يتحرك:

انكماش أسارير وجوه والدي وانطلاق الدموع من عيونهم كلما شمروا تجبئة ألامهم وأحزانهم ستظهر مخايلها صراخا وأنينا وحركة بما أن طبيعة الألم أنه لا يطيق الكتمان .

تغيرت ملامح وجه الأرض وهي تزفر وتتنهد بعمق وتهز رأسها وتصر بأسنانها وأخرجت نفسا من صدرها كأن تلك التنهيدة تعبر عن حزنها وألمها وحرقتها .

وشكت مزلزلة :

جو العذر وجور فضاء الداج والظلم ، رصاصة طائشة قذيفة يدوية وانشطارية ، قنبلة ذرية ، غازات خانقة ، طراترت حربية التى تجول في حومات القدس جولان الحائم وصواريخ نارية التى تحوب طرقاتها مثل الهائم، طغاة لا يحترمون كرامة الإنسان وحقوق الحياة وغششة لا يعترفون معنى القرابة والصداقة كأنهم خفافيش الدماء وأفاعي سامة.

فجأة ، تغير كل الأحوال وتحول الهدوء إلى العواصف وساده الوجوم المباغت حتى صارت جنة الأمن جهنم الحزن والكآبة .

وارتفع دخان أسود في أنحاء البلاد وارتفعت إليهم همهمات الهوامات وزمجرات القاصفات والقدائق الممطرة وسمعوا بكاء الأمهات والأطفال الملهوفين آه..آه..آه..

قد مزقت بطونهم إربا إربا واجتثت أعضاءهم قطعا قطعا وتسيل الدماء من جسمهم قطرة قطرة ...

حتى لقي عيناه ملك عزرائيل وفي عينه شعلة ابتسامة وبهجة وفي وقت نفس انبثف من فمه صراخ وانفلت صوته كوحشٍ كان محبوسًا في أعماقه:

يا رحمان ...... الحمد لله . اللهم انصر المسلمين في فلسطين ....!

وهتاف فمه بعثر الأوراق كريح تستيقظ من العدموهو يبكي ويحكي :

سالت دموعي وزادت أوجاعي وكدت أن أموت كما مات مالكي أما كانت هي كلها حادثات تدمع منها العيون وتنشق منها الجلود وكنت طريدة لا مأوى لي ومشردة لي ولا ملجأ لي كأني أخبط خبط عشواء .

تحت ليال ظلماء في سماء دهماء........