بعد أن سكنت أصوات القصف، وبقي الغبار معلّقا في الهواء كأنه لا يعرف طريق العودة إلى الأرض، خرجت ريم من بين أنقاض بيتها تبحث عن شيء يشبه الحياة. كانت تحمل حقيبة صغيرة، فيها دفتر مدرسيّ لم يتبقّ منه إلا نصفه، وقلم مكسور من المنتصف.
وقفت عند باب بيتها المهدّم، وقالت بصوت خافت:
«لن يقدروا على محو الحكاية… مهما حطّموا الجدران، فالقلب يظل قائما».
في الشارع، بدأت الوجوه تعود واحدة تلو الأخرى—وجوه كانت تبدو كأن الحرب ابتلعتها، لكنها الآن بدأت تستعيد ملامحها. كان الأطفال يلعبون بين الركام، وكأنهم يصرّون على صناعة الفرح ولو من حجارة مكسورة.
كان يوسف، صديق ريم، يحاول جمع قطع الحديد ليعيد بناء درّاجته التي دمّرت. لم يكن يريد درّاجة عادية؛ كان يريد «علامة» تثبت أن الحرب انتهت، وأنه يستطيع الركض خلف حلمه من جديد.
قال لريم وهو يبتسم:
«المهم… لسّا إحنا هون. وإذا بقينا، راح ترجع فلسطين أحسن من الأول».
مرّ رجل مسنّ يحمل شتلة زيتون. وقف في وسط الشارع، وغرسها في حفرة صغيرة صنعها بيديه، ثم قال للجميع:
«هذي مش شتلة… هذي وعد».
كبرت الدهشة في عيون الأطفال، وبدأوا يجلبون الماء من بقايا الخزّانات المنزوعة. سقت ريم الشتلة بيديها، ثم قالت:
«يمكن الحرب كسّرت الحجر… بس ما قدرت تكسر روحنا».
ومع كل يوم يمر، كانت رائحة الحياة تعود ببطء. المدارس تعاد بناؤها، الشباب ينظّفون الطرق، والنساء يفتحن نوافذ بيوتهن المؤقّتة ويشعلن الضوء. لم تعد فلسطين مجرّد أرض بعد الحرب؛ بل صارت حكاية عن أناس يصنعون الغد بعناد، كأنهم يزرعون الشمس في الليل.
وفي آخر الليل، جلست ريم قرب شتلة الزيتون، تنظر إلى السماء التي بدأت تتّسع بالنجوم، وقالت بصوتٍ يشبه الدعاء:
«سنكبر… وستكبرين معنا يا فلسطين».





