روى محمد عرفان بن عبد الرشيد قال:
كنت في ليلة فتية الشباب، غدافية الإهاب، داجية السحاب، والبرق فيها يميض وميض الحسام، والمطر يهطل هطول الكرام، إذ افتتح مهرجان الفنون باسم الله الرحمن الرحيم، ابتداء لامعا وافتتاحا جامعا كافيا شافيا، على منصة ركيبة وهيئة بهيجة، قد روعيت فيها الأحكام وصينت الفتاوى، فاجتمع الفرح والمرح وتعانق السرور والبهج.
وانقسم القوم ثلاث فرق مشهورة: سيادة رائعة، وكرامة كريمة، وعدالة مستقيمة، فأعلنت الإعلانات وانقضت الاستعدادات، حتى مال الطلاب إلى المنام ولانت القلوب بعد الخصام، وباحت الأحلام بما كتمته الأيام.
وبينما القوم على ذلك، إذ لاح لي فتى لبيب وذهن أريب، خفيف الروح فصيح الجناح، يقال له ابن الذكاء المهرجاني، لا يدرك المقاصد إلا سبقا ولا يطلب المعالي إلا عرقا، فجمع الطلاب وحضهم على الاجتهاد، وصرفهم عن البطالة والرقاد، فتركوا الملالة والمنامة، وقللوا الطعام والشراب، وسهروا الليالي طلبا للمعالي.
فلما ابتدأت البرامج، توارت بعض الأماني واضمحلت بعض التهاني، غير أن العزائم لم تهن والهمم لم تلن، ففيهم من عبس وتقطب، وفيهم من سر وهش وبش، وقد رفرفت على ثغره الابتسامة، والسادة من فوقهم يمدون الدعم الخالص الصرف، لا يمنون ولا يضعفون العزم.
ومرت الأيام كالأحلام، وانقضت الليالي كالأعراس، وامتلأت الكلية قرآنا وبيانا، وتكلم الحكام بالحكمة ميزانا، حتى درج الطلاب أعلى الدرجات، وصار المهرجان مرجانا، ونقت قلوب الحكام تقوى وصفاء وإحسانا.
ثم أتى يوم النتائج، فصار النهار ليلا من طول الانتظار، وترقبت القلوب قبل الأبصار، فأعلنت النتيجة إعلان القضاء، فنال فريق السيادة السعادة، وعدل فريق العدالة عن مقصدهم فشكوا وبكوا، ونالت الكرامة بكرامة الله المركز الثاني.
فعلمت يومئذ أن المجد لا يهدى، وأن المعالي لا تعطى لمن رقد وغفا، وإنما تنال بسهر العيون وتعب الجفون، كما قال الشاعر:
ومن طلب العلا سهر الليالي
وخلى النوم جانبا لا يبالي





