وكان هناك بيت صغير، بلاطه قد شاب بسبب فيضان الزمان، وقد قبض بيدي الشجرة بسبب ضعفه. تعيش فيه شيخة وابنها سالم، وكان زوجها قد انتقل إلى رحمة الله الواسعة قبل شهرين، فبقيا في وسط الفقر والفاقة بسبب موته.

وكانت الشيخة خادمة في بيت كبير – وهي لم تضع بصيص آمالها – لكنّها لا تملك في كل يوم إلا خمسة نقود لا تبقى لليوم التالي.

ولكن الدهر لم يدعها وقتا طويلا إلى عملها؛ بل حبسها وتركها على أريكةٍ خشبية قديمة تصدر أرجلها صريرا خافتا.

وصارت حياتهما أيضا في الفقر، وكان هذا الأمر يحزن سالما. وكان في أواخر الطفولة، قد ترك فكره إلى سبل كثيرة، وأخيرا اختار أن يعمل أعمالا صغيرة بسيطة ليحمل أمَّه إلى الأمام.

وذات يوم من أيام الأحد – وكانت الشمس قد تركت نورها وضوحا – كان يقطع الأشجار خلف البيت، وانهمرت حبات العرق من جبينه وعنقه، فجأة جاء بصره إلى كرسيّ اغتسل بالغبار وكثيب النمل، وكانت الأرضة تأكل كثيرا من أجزائه.

ووقف كالمجنون بلا حركة، قابضا فأسه الذي أثقله في كتفه الذي نبت عظمه، لأن في ذلك الكرسيّ علامات لذكريات عديدة وثمينة. وكان يمسح عنه الغبار بسكينة وهدوء، وقد رجمت عيناه الدموع إلى الخارج كشلال غاضب، لأن الكرسيّ كان لأبيه الكريم الذي خفّف عنه بالحب والرفق.

ولم يرم فكره إلى لحظة أخرى، بل أخذ الماء وسكبه عليه، فذهبت المهاجرون خائفين بهيمنة الماء، ثم أدخل سالم يده في الكرسيّ المبتلّ.

ونادى كالمجنون: يا أبي… يا أبي… ولكن لم يحصل على جواب، وهو يكرر أيضا وفيه يأس وأوجاع، ولا يحصل في كل مرة إلا على صوت صدى ليّن: يا… أبي… يا… أبي…